حوارات ومقالات

قانون الطفل بالأردن.. حماية جادة لحقوقه أم تنفيذ لإملاءات غربية؟

لا يزال مشروع قانون حقوق الطفل لعام 2022 في الأردن يشغل الأوساط الشعبية والقانونية والدينية والفكرية، إلا أن الغالبية متفقون على أن المشروع لا يحمي الأسرة طالما يعطي الطفل خصوصية واستقلالية مستوردة من مجتمعات غربية، وخاصة أن تلك المجتمعات تعيش ظروفًا مختلفة عن أوضاع الأردن وعاداته وتقاليده كبلد مسلم تحكمه الشريعة الإسلامية.
 
وهذا المشروع تقدمت به الحكومة الأردنية إلى مجلس النواب في يوليو 2022، والذي أحاله بدوره إلى لجنة نيابية مشتركة مشكلة من اللجنة القانونية، ولجنة المرأة وشؤون الأسرة للنظر فيه، ومناقشته وإبداء الملاحظات اللازمة حوله قبل تشريعه.
 
ولا خلاف حول مواد مشروع القانون التي تتحدث عن المجالات الصحية والتعليمية، لكن المشروع الذي يسعى لتحقيق العدالة الاجتماعية وقع في (مطبات أخلاقية) تجعل الطفل غريبًا عن بيئته التي ينتمي إليها؛ ولهذا نبع الاعتراض على المشروع من كونه يطلق العنان لحرية الطفل، ويقلل من أهمية تحديد مسؤوليات الأسرة عليه ومراقبته، ومن ثم أيضًا مسؤوليات الدولة.
 
مصادم للشريعة الإسلامية
 
ولم يهدأ الشارع الأردني منذ دخول المشروع إلى قبة البرلمان، إذ تصدى له نواب وحقوقيون، وأثير حوله لغط كبير في وسائل الإعلام المحلية، قبل أن تطلق وسوم عدة رافضة له، ومحذرة من خطورته على الأسرة.
 
وحول مشروع القانون، أشار عضو مجلس النواب الأردني ينال فريحات إلى أن علماء الشريعة قدموا دراسة تفصيلية مهمة لكتلة (الإصلاح) حول المواد التي تضم تخوفات وتصادما مع الشريعة الإسلامية في مشروع قانون الطفل.
 
وأضاف فريحات -في بث مباشر على صفحته عبر منصة فيسبوك، في 22 أغسطس- أنه "يوجد هنالك محاولات لاستهداف حصن الأسرة من خلال قوانين، إلى جانب إجراءات عالمية تنفذها سواعد محلية".
 
وأشار إلى وجود بعض المصطلحات المخيفة في مشروع القانون مثل: "حرية التعبير للطفل دون مسؤولية الأب والأم، فالمشروع ينزع دور الآباء والأمهات من الأسرة، ويجعل علاقة الابن مع الدولة بصورة مباشرة".
 
ولفت فريحات إلى أن المشروع ينص على احترام حياة الطفل الخاصة، ومنها الصداقة بين "البنات والشباب، وحرية البنت في المصاحبة والذهاب إلى الحفلات".
 
واعترض على مصطلح (الصحة الجنسية) الذي ورد في المشروع، مبينًا أن "هذا يحتمل مآلات كبيرة، وجزء منها مقدمة للسماح بمسألة الشذوذ الجنسي أو حتى التحول الجنسي للشاب أو الفتاة".
 
إملاءات خارجية
 
ويرى كثير من المختصين القانونيين أن وجود قانون ينظم سلوكيات التعامل مع الأطفال، ويكفل لهم حقوقهم داخل الأسرة والمجتمع، لا يعني تطبيق قوانين معمول بها في دول أخرى تختلف فيها عاداتها وتقاليدها ودينها عن الأردن.
 
وفي هذا الإطار، كتب الأكاديمي الأردني في الشريعة الإسلامية الدكتور محمد الطرايرة على حسابه في فيسبوك أن "الالتزامات الدولية المرتبطة بالمساعدات أرهقتنا وأذلتنا، وغيرت معالم بلدنا".
 
ولفت الطرايرة إلى أن إقرار المشروع "فيه إسقاط لهيبة الدولة في نفوسنا، فنحن نعلم أنه لا يعدو أن يكون إملاءات خارجية تفرضها القوى المسيطرة".
 
تدمير المنظومة الأخلاقية
 
من جهتها، تؤكد الأكاديمية ورئيس لجنة الأسرة في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الدكتورة  كاميليا حلمي لـصحيفة (الاستقلال)، أن مشروع القانون في الأردن "بني على الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل CRC لعام 1989".
 
وأوضحت أن الاتفاقية المذكورة: "رفعت سن الطفولة حتى الثامنة عشر، وركزت على مجموعة من القضايا التي عدتها حقوقًا للطفل، بينما في حقيقة الأمر هي إهدار لحقوقه، وليس العكس".
 
وبينت أن "المشروع يعلي من الأنانية لدى الأجيال الناشئة، ويعزز لديهم نزعة المطالبة بالحقوق دون الوعي بالواجبات، كما يحرم الطفل من حقه في التربية، ويكبل الوالدين ويجرمهما إن قاما بواجبهما في التأديب، وذلك من خلال التوسع والمطاطية في تعريف مصطلح العنف".
 
ولفتت الأكاديمية إلى أن "المشروع نقل بعض الفقرات نقلاً حرفيًا من اتفاقية حقوق الطفل الدولية، مثل فقرة: له الحق في احترام حياته الخاصة ومراسلاته، ويحظر تعريضه لأي تدخل تعسفي أو إجراء غير قانوني في حياته".
 
وأوضحت أنه لمنع الأبوين من التدخل فيما عدته الاتفاقية (خصوصيات) الأبناء، نص مشروع القانون على أن "تتولى الجهات المختصة وفقًا لتشريعاتها اتخاذ كافة الإجراءات التي تحول دون التعرض لحياة الطفل الخاصة"، وهو ما يعني "أن الوالدين ليس لديهما الحق في التدخل بحياة الابن دون سن الثامنة عشر، وإلا فمن حقه أن يستدعي الشرطة التي تعاقبهما، وربما تسحب الابن من الأسرة لإيداعه لدى أسرة أخرى بديلة".
 
وبينت حلمي أن "مشروع القانون يتعارض في الكثير من جوانبه مع هوية المجتمع المسلم بشكل عام، فبعد أن رفع سن الطفولة حتى الـ 18، وهو ما يخالف آراء فقهاء الشريعة القائلة إن الطفولة تنتهي بالبلوغ، منع زواج من هو دون تلك السن، معتبرًا ذلك زواج أطفال، أو استغلالاً جنسيًا أو اتجارًا في البشر".
 
وزادت القول: "وبطبيعة الحال، يترتب على تجريم الزواج في السن الشرعي ارتفاع معدل ارتكاب جريمة الزنى، وما ينتج عنها من أبناء السفاح، فتأتي نصوص مشروع القانون لتفتح المجال للمطالبة بإثبات نسب ابن الزنى للوالد الزاني".
 
ولفتت حلمي إلى أن "المشروع يقنن التثقيف الجنسي للأطفال وللمراهقين في المدارس، دون أن يضع أي قيود دينية أو أخلاقية له".
 
وأردفت قائلة: "هذه بالضبط منظومة خدمات الصحة الجنسية والإنجابية التي ركزت عليها المواثيق الدولية، والمبنية على تجريم الزواج في سن مبكرة، وفي المقابل السماح للمراهقين والشباب بالزنى، مع تعليمهم كيفية الوقاية من الحمل، وفي النهاية تقنين الإجهاض للتخلص من الحمل غير المرغوب فيه".
 
وختمت حلمي بالقول: "إن تمرير مثل هذا المشروع، من شأنه أن يدمر المنظومة القيمية والأخلاقية للمجتمع، ويفقد أجيالاً كاملة هويتها، وهو خطر يمتد أثره عقودًا طويلة قبل أن يستعيد المجتمع عافيته".
 
 
موضوعات ذات صلة: