حوارات ومقالات

الشذوذ في العالم العربي.. الأسباب والنتائج وآليات الحل

يعد موضوع الشذوذ الجنسي من أحدث المواضيع التي تثير اهتمام الناس على مختلف مشاربهم الدينية والفكرية والاجتماعية، وذلك بسبب انتشار هذه الظاهرة في العالم العربي، وانتقال دعاتها من مرحلة الدفاع إلى الهجوم، وتحدّيهم للقوانين والشرائع التي تحرم هذا الفعل وتجرمه. 
 
إن هذه الأسباب - إضافة إلى أسباب أخرى سيرد ذكرها في هذه الدراسة، إن شاء الله تعالى - هي التي تجعل مثل هذه الدراسة حاجة وضرورة تساعد في تحديد الأبعاد والأسباب والنتائج التي تترتب عن تزايد هذه الظاهرة في المجتمعات العربية.
 
أولاً: الشذوذ عبر التاريخ
 
1- مفهوم الشذوذ الجنسي ودلالته:
 
وردت في اللغة العربية ألفاظ وعبارات كثيرة استخدمت في التعبير عن الشذوذ الجنسي، منها: اللواط، المساحقة، إتيان البهائم، جماع الأموات، وغير ذلك من الألفاظ التي تعبّر عن فعل واحد من أفعال الشذوذ، أما استخدام عبارة الشذوذ[1] الجنسي للدلالة على هذه الأفعال مجتمعة فقد جاء مع الانفتاح الفكري في الغرب، وما نتج عنه من علوم عنيت بتحليل بعض الظواهر الاجتماعية المنتشرة في المجتمعات وبيان أسبابها ونتائجها. ومن هذه العلوم علم النفس الذي ساوى بين لفظة الشذوذ والانحراف، واعتبر بأن الشاذ أو المنحرف "هو الذي يمارس انحرافات أو صور نشاط تناسلي ليس في اتفاق مع الثقافة أو الأعراف العامة لمجتمعه أو دولته [2]. 
 
على أن هذا التعريف "للشذوذ الجنسي" لم يبق على حاله، فمع بدء الدعوات إلى التعاطف مع الشاذين جنسيًّا في العالم، بدأت تغيب عبارة "الشذوذ الجنسي" من كتب علم النفس وتم استبدالها بعبارة "المثلية الجنسية"، وهي تعريب للمصطلح الإنجليزي "Homosexuality". وكذلك حصل هذا التبديل في الطب العصبي، الذي كان حتى سنة 1953م يصنف الجنسية المثلية على أنها نوع من الاضطراب الجنسي لشخصية مصابة بمرض عقلي "psychopathic personality"، إلا أنه نتيجة تحرك بعض الناشطين المؤيدين للشذوذ الجنسي تم حذف مصطلح الجنسية المثلية من دليل الأمراض العقلية ليوضع مكانه "اضطراب في التوجه الجنسي[3] sexual orientation disturbance ".   
 
 2- الشذوذ الجنسي عبر التاريخ:
 
عُرف الشذوذ الجنسي في مختلف الأزمنة والعصور، وأول من جاهر به هم قوم لوط، لذلك أصبح هذا الفعل يُسمى باسمهم. أما أول من قام بالسحق فهم أهل الرس[4]، وقيل هم أصحاب الأخدود، وقيل هم بقايا من قوم ثمود[5]. وبعد ذلك فإن هذا الفعل عرفته كثير من الأمم الغابرة كما ذكر ذلك علماء التاريخ. من هذه الأمم الآشوريين والبابليين والمصريين والهنود واليونانيين والفرس. 
 
فعند الهنود مثلاً خص البراهمة "الغلمان ليتمتعوا بما في صباهم من سحر وفتنة وينعموا بأصواتهم الحادة، إذ كان هؤلاء المخصيون محط رعايتهم وتدليلهم" [6]. أما عند اليونانيين فقد كان هذا الفعل موجود عندهم في الأوساط العلمية والفكرية خاصة. وقد نقلوا هذه الآفة إلى الفرس الذين كان كتابهم الأفستا يحرمها ويراها "شذوذًا وجريمة شنعاء، لا يجوز بأي حال من الأحوال الصفح عنها [7].
 
وقد عرف هذا الفعل عند العرب أيضًا، وكانت تنشد أشعار "في وصف الشذوذ الجنسي في ضروبه المتنوعة، سواء بين الرجال بعضهم ببعض أو بين الرجال والغلمان أو بين النساء بعضهن ببعض، بالإضافة إلى تأليف كتب كانت تذكر فيها أفعال وآداب في ممارسة الشذوذ الجنسي"[8]. 
 
وقد استمر الشذوذ عبر العصور، وعرفته كثيرٌ من الأمم، ومن بينها الأمم الغربية، ويذكر الفيلسوف الفرنسي فوكو Foucault بأن فهم الغربيين للجنسية المثلية يتأتى من معايشة مرحلتين: المرحلة الأولى كانت عندما حاول المحللون النفسيون في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي إعادة تعيين الجنسية المثلية من منظور علماني، بعيدًا عن الحكم المسيحي الذي حرم مثل هذا الفعل. والمرحلة الثانية كانت عندما استطاعت تلك الأقلية الشاذة التي اختلقها المحللون النفسيون تحويل هويتهم الجنسية إلى مصدر قوة لهم وتناصر[9].
 
وكان من نتائج تشريع علماء الغرب لهذا الفعل أن انعكست نتائجه على الصعيد الواقعي والتشريعي، حيث تغير واقع الشاذين جنسيًّا بعد الفترة التي عرفت بالثورة الجنسية، وبدأ ظهور هؤلاء يأخذ طابعًا علنيًّا. ومن مظاهر هذه العلنية اجتماعهم في العام 1968م في فندق ستون وول في نيويورك، والذي نتج عنه اندلاع أعمال الشغب لثلاثة أيام متواصلة، نادى فيها الشاذون بسقوط الرجعية الجنسية[10].
 
ومنذ ذلك التاريخ إلى الآن يتزايد سعي هؤلاء إلى تشريع وجودهم شيئًا فشيئًّا، لدرجة أن بعض العقلاء من أبناء الغرب بدأوا يدقون ناقوس الخطر، ومن هؤلاء الرئيس الأميركي الأسبق "نيكسون"، الذي اعتبر "أن هؤلاء الشاذين يقوضون أركان المجتمع، وأن الذي أضاع الإمبراطورية الأغريقية هو الشذوذ الجنسي، فأرسطو كان شاذًا وكذلك سقراط! وأن الذي هدم الإمبراطورية الرومانية هو انحلال الأباطرة، ومضاجعة البابوات للراهبات! ويخلص نيكسون في النهاية إلى أن أميركا تتجه إلى المصير ذاته"[11].
 
ولقد كان من نتائج تكاثر الشاذين جنسيًّا في العالم الغربي أن أصبحوا يشكلون قوة ضاغطة على أرض الواقع، مما دفع كثيرٌ من الدول إلى تعديل قوانينها التي تجرم الشذوذ الجنسي حتى تتماشى مع رغبات الشواذ في بلادها، ومن بينها القانون البريطاني الذي لم يعد يعتبر منذ سنة 1967م الشذوذ الجنسي فعلاً مجرمًا ما دام قائمًا بين اثنين راشدين، بالغين، ومتفقين على ممارسة هذا الفعل. وكذلك فعلت كل من سكوتلاندا وشمال إيرلاندا وكندا ونيوزلاندا وأكثر من نصف الولايات المتحدة الأميركية[12]. هذا وقد تم إقرار زواج الشواذ جنسيًّا في العديد من بلدان العالم، منها: النرويج وهولندا وبلجيكا وإسبانيا وكندا وولاية ماساتشوستس الأمريكية[13].
 
3- نظرة الأديان إلى الشذوذ الجنسي: 
 
أ- موقف اليهودية:
 
اعتبر العهد القديم اللواط "شناعة" يجب أن يعاقب عليها بالموت. فقد ورد في التوراة: "لا تضاجع ذكرًا مضاجعة امرأة، إنه رجس" (اللاويين 18: 22)، وكذلك ورد أيضًا في السفر نفسه: "إذا اضطجع رجل مع ذكر اضطجاع امرأة فقد فعل كلاهما رجسًا. إنهما يُقتَلان. دمهما عليهما" (اللاويين 13:20). هذا في التوراة، أما بالنسبة لليهود المعاصرين، فتنقسم آراؤهم حيال المثلية الجنسية إلى موقفين: موقف اليهود المتشددين الذين لا يظهرون تسامحًا أبدًا تجاه الجنسيين المثليين، ويمنعون عليهم ممارسة المهن القيادية ويصرون على معاملتهم على أساس أنهم مرضى[14] .  ويقابل هذا موقف متساهل لليهود الذين يدعمون مسألة المساواة المدنية للمماثلين للجنس، ويستنكرون العنف الموجه ضدهم. ويرفضون الرأي الديني المعارض لهم، ويطلبون من رجال الدين مباركة زواج الجنسيين المثليين[15].
 
ب- موقف النصرانية:
 
تدين النصرانية الشذوذ الجنسي، وتحذر من مغبة القيام بهذا الفعل. جاء في الإنجيل: "لا تضلوا، لا زناة، ولا عبدة أوثان، ولا فاسقون، ولا مأبونون، ولا مضاجعو ذكور... يرثون ملكوت الله" (كورنثوس الأولى 10، 6:9).
والجدير بالذكر أن الكنيسة المسيحية تتعرض لضغوطات من قبل الشاذين جنسيًّا من أجل تغيير مواقفها من الشواذ، ومن هذه الضغوطات ما تعرضت له الكنيسة الكاثوليكية من أجل مباركة زواج اللواطيين والسماح بتغيير الجنس وغيره. ولكن الكنيسة لم تغير موقفها، وأصدر الفاتيكان وثيقة تمنع الشاذين جنسيًّا من كل السيامات وحتى من الزواج[16]. إلا أن هذا الرفض لم يمنع الكنيسة من إبداء بعض اللين، ففرقت بين من له مجرد ميل تجاه الجنسية المثلية دون ممارستها، وبين من يمارس الجنسية المثلية فعليًّا، فحرمت هذا الفعل على الأخير، وأظهرت التسامح على الأول.
 
والجدير بالذكر أن مما ساهم في تغيير الكنيسة لمواقفها ظهور آثار الشذوذ عند بعض الكهنة الذين أخذوا يبررون ميلهم الجنسي بقولهم: "إن البتولية موجهة بالذات إلى الكهنة المغايرين للجنس، وهي مطلوبة منهم فقط، وعليهم الحفاظ عليها حسب ما تسمح لهم قدرتهم على تحملها. أما الكهنة المماثلين للجنس فهم يفتخرون بهذا التوجه الجنسي[17]".
 
أما الكنيسة الأرثوذكسية فقد حافظت على موقفها المدين لممارسة الشذوذ واعتبرته خطيئة وفعلاً لا أخلاقيًّا، وهي تعتقد بأن واجب الكنيسة هو السعي إلى إصلاح الشاذ عن طريق شفائه روحيًّا وجسديًّا وليس مباركة ممارساته أو وإيجاد القوانين لتشريعها[18].
 
ج- موقف الشريعة الإسلامية من الشذوذ الجنسي:
 
(1) موقف الشريعة الإسلامية من اللواط:
 
لم ترد لفظة لواط في القرآن الكريم بشكل مباشر، إنما ورد ذكر حكم قوم لوط عليه السلام، الذين اجتمعوا على ارتكاب هذه الفاحشة. وقد ورد أيضًا وصف لحالتهم وسوء فعلتهم بقول الله عز وجل: ﴿ وَلُوطاً إِذ قَالَ لـِقَومِهِ أتَأتُونَ الفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِن أَحَدٍ مِّنَ العَالَمِينَ * إِنَّكُم لِتَأتُونَ الرِّجَالَ شَهوةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ بَل أَنتُم قَومٌ مُّسرِفُونَ﴾ [ الأعراف: 80-81]. كما جعل سبحانه عملهم من الخبائث بقوله: ﴿وَلُوطاً آتَينَاهُ حُكماً وَعِلماً وَنَجَّينَاهُ مِنَ الـقَريَةِ الَّـتِي كَانَت تَّعمَلُ الخَبَائِثَ إِنَّهُم كَانُواْ قَومَ سَوءٍ فَاسِقِينَ﴾ [ الأنبياء:74]. وبيّن أيضًا أنّ ما يعملونه عمل منكر، ووصفهم بالإفساد والفساد، قال تعالى: ﴿أَئِنَّكُم لـَتَأتُونَ الرِّجَالَ وَتَقطَعُونَ السَّبِيلَ وتَأتُونَ فِي نَادِيكُمُ المُنكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَومِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ ائتِنَا بِعَذابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ رَبِّ انصُرنِي عَلَى الـقَومِ المُفسِدِينَ﴾ [ العنكبوت: 29-30]. ووصفهم الله تعالى بالظلم بقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَت رُسُلُنَا إِبرَاهِيمَ بِالبُشرَى قَالُواْ إِنَّا مُهلِكُواْ أَهلِ هَذِهِ الـقَريَةِ إِنَّ أَهلَهَا كَانُواْ ظَالِمِينَ﴾ [العنكبوت :31]. إضافة إلى ذلك بيّن الله سبحانه وتعالى أن أول عقاب وقع على قوم لوط هو طمس العيون، يقول تعالى: ﴿وَلَقَد رَاوَدُوهُ عَن ضَيفِهِ فَطَمَسنَا أَعيُنَهُم فَذُوقُواْ عَذَابِي ونُذُرِ﴾ [القمر:37]. والعقاب الثاني هو الفيضانات فيقول تعالى: ﴿وَأَمطَرنَا عَلَيهِم مَّطَراً فَانظُر كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُجرِمِين﴾ [الأعراف:84].
 
هذا في القرآن الكريم، أما في السنة النبوية الشريفة، فإن الأحاديث التي وردت في اللواط عديدة، منها قوله صلى الله عليه وسلم: "ملعون من عمل عمل قوم لوط" رواه الترمذي. وقوله: "لعن الله من عمل عمل قوم لوط، لعن الله من عمل عمل قوم لوط، لعن الله من عمل عمل قوم لوط" رواه أحمد.
 
أما أصحاب رسول الله فقد اتفقوا على أن من يعمل عمل قوم لوط فإن جزاؤه القتل، وحجتهم في ذلك قول رسول الله: "من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به" رواه أحمد.
 
وجاء الخلاف بين أصحاب رسول الله في كيفية قتله، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه وجماعة من الصحابة والتابعين: يرمى بالحجارة حتى يموت أحصن أو لم يحصن. وحرق اللوطيين بالنار أربعة من الخلفاء: أبو بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن الزبير وهشام بن عبد الملك". وقال عبد الله بن عباس: "ينظر إلى أعلى ما في القرية فيرمي اللوطي منها منكسًا، ثم يتبع بالحجارة. وأخذ ابن عباس هذا الحد من عقوبة الله لقوم لوط" [19].
 
(2) موقف الشريعة الإسلامية من السحاق:
 
لم يذكر السحاق وحكمه بشكل صريح في القرآن الكريم، أما في السنة النبوية الشريفة فهناك أحاديث كثيرة تنهى وتحذر من عواقبه، فقال صلى الله عليه وسلم: "السحاق بين النساء زنا بينهن". رواه الطبراني في الأوسط. وقال رابطًا هذا الفعل وبين اقتراب الساعة: "إذا استحلت أمتي ستًا فعليهم الدمار: إذا ظهر فيهم التلاعن، وشربوا الخمور، ولبسوا الحرير، واتخذوا القيان، واكتفى النساء بالنساء والرجال بالرجال" رواه الطبراني في الأوسط.
 
هذا وقد استند فقهاء الإسلام على هذا الأحاديث من أجل تحريم السحاق واعتباره من الكبائر، وأوجبوا عليه التعزير، واعتباره معصية لا حد فيها ولا كفارة.
 
ثانيًا: واقعه في العالم العربي
 
لم يعد الشذوذ الجنسي أمرًا مخفيًّا في كثيرٍ من المجتمعات والطبقات، بل إن هذا الفعل أصبح أمرًا مجاهرًا به، حتى أن أي مراقب يستطيع أن يكتشف الشاب المثلي من غيره بمجرد مراقبة تصرفاته ولباسه، يقول أحدهم: "إن المثليين يفصحون اليوم عن جنسانيتهم من خلال أسلوب ثيابهم. إن ارتديت تي شيرت ضيقة أو صارخة اللون، فسيظن الرجال الأسوياء أنني أحاول التباهي وحسب. يقول وهو يبتسم: لكن الرجال المثليين الآخرين سيدركون الحقيقة" [20].
 
 إن هذا الخروج للعلن الذي يتَّبعه مثليو العالم العربي اليوم، يعود إلى سعيهم الدءوب على الصعيد الفردي والجماعي من أجل دفع الناس إلى تقبّلهم، مستفيدين بذلك من الدعم الذي تقدمه لهم المؤسسات الدولية، وجمعيات الدفاع عن حقوق الشاذين في العالم. وقد تجلى هذا الدعم في مواقف عدة، من بينها ذلك الموقف الذي حدث في العام 2008م. عندما قامت 117 منظمة تعمل في مجال الصحة وحقوق الإنسان بالاعتراض على حكم محكمة جنح قصر النيل التي قضت بالحكم 5 سنوات على خمسة مصريين، بتهمة الشذوذ [21].
 
ومنها أيضًا اعتراض منظمة "هيومان رايتس ووتش" على قيام السلطات السعودية في 6 حزيران 2009م باعتقال 67 رجلاً في العاصمة الرياض بسبب ارتدائهم ملابس نسائية في إحدى الحفلات"[22].
 
 إن هذا الدعم الكبير الذي يناله هؤلاء الشاذون ساهم في تزايد عدد المثليين في العالم العربي. ففيما قدر الكاتب نبيل فياض[23] - أحد المدافعين عن حقوق الأقليات - بأن عدد المثليين والسحاقيات في بلد مثل سوريا يفوق كل التوقعات، حيث بلغت نسبتهم العشرين بالمئة[24]، نجد أن بيروت تحتل الصدارة في هذا المجال[25]، حيث أصبح لهؤلاء ظهورهم العلني، ولهم جمعياتهم الخاصة التي تدافع عنهم.
 
ثالثًا: صور التعبير عن الشذوذ في العالم العربي
 
1- الملتقيات المباشرة للشاذين جنسيًّا:
 
تتشابه الأماكن التي يلتقي بها الشاذون في البلدان العربية، والخطير في هذه اللقاءات أن بعضها يتم في المدارس والجامعات. ففي دراسة أعدتها كلية الطب في جامعة الملك عبد العزيز في جدة طالت أكثر من 1200 طالب، تبيّن فيها أن ثلث العينة سبق أن وقعت في ممارسة جنسية خاطئة، منهم 12 في المائة شاذين جنسيًّا، أي ما يمثل 420 شخصًا [26] . 
 
هذا ولا تقتصر التصرفات الشاذة على الجامعات، التي قد تتطلب مستوى ثقافي معين، بل إن هذا الفعل منتشر أيضًا في كل الأوساط الاجتماعية ووسائل وأماكن التعارف بين الشاذين جنسيًّا متعددة. ففي السعودية مثلاً يعتبر أبرز أماكن تعارف هؤلاء هو في مراكز التسوق وعلى ناصية بعض الشوارع، وأثناء الحفلات الخاصة[28].
 
وفي البحرين تعتبر الأماكن المفضلة للشاذين هي صالونات التدليك والديسكوهات، كما أنهم يقومون باحتفالات عامة في بعض الأماكن السياحية. وقد ذكرت جريدة "أخبار الخليج" خبر ذلك الاحتفال الذي قام به بعض الشاذين جنسيًّا في أحد المواقع السياحية في منطقة الصخير[29] .
 
أما في العراق فالوضع يختلف قليلاً عن سائر الدول الخليجية، إذ أن الشاذين في المجتمع العراقي يواجهون مجتمعهم بشيء من الجرأة في اللباس والمظهر والتصرفات لم تكن معهودة سابقًا. والسبب في ذلك يعود للاحتلال الأميركي للبلاد الذي ساهم في التشجيع على هذا الفعل. وقد أكدت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية هذه الحقيقة بقولها: إن "الأمن والهدوء سمح للعراقيين أن يتمتعوا بالحريات (الأمريكية)، ومن بينها حرية الشذوذ، والتي لم يكن من المتصور أن تحدث قبل بضعة أعوام" [30].
 
وقد كان لهذا الظهور العلني الجريء، وفي ظل غياب الدور الرقابي والقانوني للحكومة العراقية بسبب الاحتلال، أثره في قيام بعض المسلحين بقتل نحو 25 شابًا ورجلاً لممارستهم الشذوذ في مدينة الصدر بالعراق، وذلك بعد أن تبرأت منهم قبائلهم، فقررت التخلص منهم وإحراق المقاهي التي يتجمعون فيها[31].
 
وإذا كان غياب تطبيق الشريعة والقانون في العراق قد ساهم في تمتع هؤلاء الشاذين بالحرية، فإنه في بلاد المغرب العربي تقوم السلطات الأمنية المغربية بتشديد الحصار على هؤلاء الشاذين الذي يستغلون المناسبات الدينية والشعبية من أجل ممارسة طقوسهم على مرأى ومسمع من الجميع [32]. 
 
هذا ويعد الظهور العلني، والالتقاء في الأماكن العامة نقاط مشتركة في كل من دمشق ولبنان ومصر والأردن. ففي دمشق تعتبر نقاط التقاء هؤلاء في شوارع دمشق الراقية، وفي حديقة عامة بالقرب من فندق شهير، وفي حانات في دمشق القديمة [33]. 
 
أما في لبنان فأبرز اللقاءات تتم في الأماكن العامة وخاصة في المقاهي والمطاعم، وعلى الشواطئ حيث أن لهؤلاء شاطئ خاص "يديره ثنائي وكذلك هناك حتى حمامات تركية تستقبل المثليين" [34].
 
وفي مصر يلتقي هؤلاء في مقاهٍ معينة في القاهرة كما أكد الصحافي "مصطفى فتحي" الذي أصدر كتابًا عن المثلية تحت عنوان "في بلد الولاد"، ذكر فيه أن الشذوذ الجنسي منتشر في مصر بشكل لا يتصوره العقل [35].
 
وفي الأردن ذكرت صحيفة "الحقيقة الدولية" أن الذكور وبعض الإناث الشواذ جنسيًا يتخذون من "كوفي شوب" – تحفظت الصحيفة عن ذكر اسمه - نقطة التقاء يومية لهم للتنسيق وممارسة شذوذهم"، وقد كان هؤلاء ينوون إشهار تنظيمهم بشكل رسمي، وإعلان موقعهم الخاص على الشبكة العنبكوتية، لكن نشر الصحيفة للتحقيق حولهم جعلهم يمتنعون عن هذا الإعلان وعن إفتتاح الموقع [36].
 
2- الملتقيات غير المباشرة للشاذين جنسيًّا:
 
يسعى الشاذون جنسيًّا، ومن أجل تثبيت وجودهم إلى الاستفادة من التكنولوجيا الجديدة، مثل الشبكة العنكبوتية (الإنترنت). وقد عمد عددٌ كبيرٌ من هؤلاء في عدد من الدول العربية مثل المغرب والسعودية والأردن وسوريا إلى تأسيس مجموعات وصفحات على الإنترنت يتلاقون فيها[37]، كان أهمها عدد من المجموعات على الموقع الاجتماعي Facebook. ومن هذه المجموعات واحدة سعودية اسمها "شواذ جدة،" وتضم أكثر من 500 عضو ومنها واحدة سورية تضم نحو 200 مثلي وقد سموها "مثلي مثلك" [38].
 
وكذلك أنشأ هؤلاء مواقعهم وصفحاتهم الخاصة، منها على سبيل المثال موقع (المثليون في سورية)، وموقع (gayegypt.com) المصري الذي لم تفلح السلطات المصرية في إقفاله بسبب كونه مسجلا في لندن، وهو يستخدم موفرًا (server) في كاليفورنيا[39].
 
هذا إضافة إلى المدونات الخاصة التي يسعى أصحابها لتحقيق أهداف عدة من ورائها، منها: السعي إلى نفي الصورة الكوميدية المنتشرة عن الرجال والنساء الشاذين جنسيًّا التي تشبههم بأفعال وتصرفات الجنس الآخر. والتعبير عن مشاعرهم وتجاربهم بحرية ومن دون خجل. ونشر الدراسات والأبحاث المعاصرة والتاريخية التي تثبت أن هذا الفعل كان معروفًا ومقبولاً في السابق.
 
3- إنشاء الجمعيات الداعمة للشذوذ الجنسي: 
 
أسست جمعية "حلم"، والكلمة تتألف من الحروف الأولى لـ"حماية لبنانية للمثليين" في العام 2004م، وهي الجمعية الأولى من نوعها في العالم العربي، التي تهدف إلى حماية المثليين والمثليات، وثنائي الجنس ومتحولي الجنس.
 
وقد سجلت حلم بدءًا من كندا كجمعية لا تبغي الربح، لكنها تعتبر نفسها الآن مسجلة قانونًا في لبنان، وتضم الجمعية أكثر من 300 شخص، وهي تتباهى برفع علم قوس القزح [40] في مكاتبها. وقد كان لها نشاطات عدة، منها إطلاق كتاب "رهاب المثلية"، إضافة إلى موقع على الإنترنت، ومجلة خاصة تحمل عنوان "برا"، خصصت مواضيعها للحديث عن الشواذ والقضايا التي تهمهم. وقد دعت الجمعية في 29/10/2009م. لحفل توقيع لكتيبها الجديد عن المثلية "مش عن النبات" في أحد فنادق بيروت المشهورة. 
 
وبالإضافة إلى جمعية "حلم" فقد أسست في لبنان جمعية أخرى خاصة بالمثليات، وهي جمعية "ميم"، ولها موقع ومجلة الكترونية تصدر عنها. 
 
هذا ولا يقتصر تأسيس الجمعيات على لبنان، فقد أعلن المثليون المغاربة عن تأسيس جمعيتهم الخاصة التي أسموها "كيف... كيف" ومعناها "سواسية". وللجمعية موقع خاص عبر الشبكة العنكبوتية، وهي تحظى بدعم كبير من إحدى التنظيمات السويسرية التي تحمل اسم "best homo"، والتي خصصت مبلغ مليون يورو لتنظيم الاحتفال بتأسيس جمعية "كيف... كيف" الذي تم في أحد الفيلات في مدينة الدار البيضاء[41].
 
رابعًا: العوامل المساهمة في انتشاره
 
  عوامل عديدة تساهم في زيادة نسبة المجاهرة في فعل الشذوذ الجنسي، ومن هذه العوامل:
 
1- العوامل الخارجية:
 
أ- دور الأمم المتحدة ومنظماتها:
 
بدأ تركيز الأمم المتحدة على تشريع الشذوذ الجنسي في العام 1951م مع فرض معاهدة الأمم المتحدة للاجئين، والتي تتضمن أنه على الدول تأمين الحماية لأي شخص لديه خشية من "التعرض للاضطهاد نتيجة أسباب عرقية أو دينية أو ترتبط بهويته الجنسية أو بانتمائه إلى مجموعة اجتماعية معينة، أو بسبب رأيه السياسي" [42].
 
وبعد ذلك أخذ موضوع الشذوذ طابعًا أكثر تخصصية مع تلك المؤتمرات والاتفاقيات الدولية التي تعني بالأمور الجنسية، وعلى رأسها حقوق المثليين الجنسيين في العالم. وكان من نتائج تحركات منظمة الأمم المتحدة أن وقع في كانون الأول/ديسمبر 2008، ستة وستون بلدًا في الجمعية العامة للأمم المتحدة بيانًا يتعلق برفع العقوبة عن المثلية [43].
 
ولعل من أهم المؤتمرات التي تناولت قضية الشذوذ الجنسي مؤتمر القاهرة الذي عقد في العام 1994م، والذي حفلت وثائقه الأساسية بمصطلحات خطيرة، منها مصطلح "الحقوق الجنسية" ومصطلح "المتحدين والمتعايشين COUPLE".
 
أما مؤتمر بكين الذي عقد عام 1995م. فقد تميز بالتظاهرة الكبيرة التي مشت بها 7000 امرأة مناديات بحقوق السحاقيات والشواذ، وكان من المصطلحات التي أطلقت في هذا المؤتمر مصطلح "Sexual Orientation" الذي يفيد حرية الحياة غير النمطية، ومصطلح الهوية الجندرية "Gender Identity" التي اعتبرتها الموسوعة البريطانية غير "ثابتة بالولادة، بل تؤثر فيها العوامل النفسية والاجتماعية، وهي تتغير وتتوسع بتأثير العوامل الاجتماعية‍‍[44].
 
وإضافة إلى المؤتمرات والاتفاقيات الدولية يظهر أيضًا عمل الأمم المتحدة في المنظمات التابعة لها، والتي تعمل على تكريس هذه المفاهيم في برامجها من جهة، وفي دعم الشاذين جنسيًّا في العالم من جهة أخرى.    
 
ب- الدعم الدولي للشاذين جنسيًّا:
 
لا يقتصر الدعم الدولي للشذوذ الجنسي في العالم العربي على منظمات الأمم المتحدة. بل إن هذا الدعم قد يأتي من قبل الدول والحكومات الغربية، التي تقدم التسهيلات للشاذين جنسيًّا، ومن ذلك منحهم حق اللجوء السياسي.
 
والجدير بالذكر أن فتح باب الهجرة للشاذين لا يقتصر على الدول الغربية، بل إن إسرائيل التي شرعت العلاقة المثلية عام 1988م، باتت طريقًا للفرار المعتاد للفلسطينيين الشاذين. وهؤلاء غالبًا ما يقعون ضحية للاستخبارات الإسرائيلية فيتحول معظمهم إلى تعاطي البغاء من أجل كسب قوتهم بعد أن رفضهم مجتمعهم[45].
 
ومن نماذج الدعم من قبل المنظمات غير الحكومية الغربية ما تحظى به جمعية "حلم" اللبنانية من تأييد مجموعات لها في استراليا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية. وهي تؤمن لها إضافة إلى التمويل المادي الحماية من تعسف "السلطات اللبنانية التي تدرك أنها ستواجه شكاوى خارجية في حال اتخذت خطوات قمعية" [46].
 
2- العوامل الداخلية:
 
تتعدد العوامل الداخلية التي تساهم في انتشار الفساد الأخلاقي بشكل عام والشذوذ الجنسي بشكل خاص، وأول هذه العوامل تبدأ من الأسرة التي ينشأ فيها الطفل، والتي تساهم بشكل كبير في تكوين شخصيته وتوجيه سلوكه. وما نشاهده في بعض الأسر من تنشئة خاطئة - تبدأ منذ الصغر - تلعب دورًا كبيرًا في عدم تقبل الطفل لهويته الذكرية أو الأنثوية في المستقبل.
 
ومن نماذج هذه التصرفات قيام بعض الأهل بإطالة شعر أبنائهم الذكور، والسماح لهم باللعب بألعاب البنات، وإلباسهم لباس الفتيات، وكذلك تسمية البنات بأسماء الذكور، والسماح لهن باللعب معهم في ألعابهم الخاصة التي تتسم في بعض الأحيان بالعنف. 
 
وإضافة إلى ذلك فإن تعرض الأطفال في صغرهم إلى التحرش الجنسي من قبل أحد أفراد العائلة أو من المقربين أو المكلفين بحمايتهم له دور كبير في التحول إلى الشذوذ الجنسي.
 
هذا ويساهم المجتمع بدور كبير في تفشي هذه الظاهرة وقبولها، ويبدأ دور هذا المجتمع في المدارس والجامعات التي تعتبر المصدر الثاني للثقافة الجنسية من بعد الأهل. وقد بدأت هذه المدارس ونتيجة تأثرها بالموجة التغريبية بتغيير سياستها التربوية، وبدأت الأصوات تعلو من أجل تدريس الشذوذ الجنسي في المدارس تحت راية الثقافة الجنسية، وحق الطفل بالاطلاع على جميع الممارسات الجنسية، على أن يختار هو ما يتناسب مع ميوله وتوجهاته. وقد بدأت هذه السياسات تظهر نتائجها على الأرض، حيث بدأت جمعية "حلم" بعقد حلقات نقاش في الجامعات اللبنانية للتعريف بحقوق المثليين[47] .
 
هذا ولا يقتصر خطر المدرسة على المناهج التربوية، بل إن وجود الاختلاط غير المنضبط في المدارس والجامعات قد ينعكس سلبيًّا على شخصية كل من الذكر والأنثى، وكذلك التشديد في منع الاختلاط من دون وجود رقابة مدرسية وبيتية من العوامل التي تساهم في انتشار هذا الفعل.
 
أ- العوامل الثقافية: 
 
لم يهتم المؤرخون العرب بدراسة ظاهرة الشذوذ الجنسي لأنها كانت نادرة، وبالتالي فهي غير مهمة بالنسبة إليهم، ولكن الذي أتى على ذكرها وتوثيقها هم بعض الأدباء العرب، الذين عبروا في قصصهم وطرائفهم وأشعارهم عن مواقفهم المؤيدة أو الرافضة لهذا الفعل. ولعل أبرز الشعراء المؤيدين هو الشاعر أبو نواس، أما أبو العتاهية فقد كتب مستنكرًا الشذوذ الجنسي عند النساء، فكان مما قاله:
 
لـعن الإلـه سـواحـق الـرأس     فلـقد فضـحن حرائـر الإنـس
 
أبدَيـْن حـرْباً لا طـعـان بـها     إلا اتـقـاء التـرس بالتـرس.
 
هذا في العصر القديم، أما في العصر الحالي، فإن الحديث عن الشذوذ الجنسي في الأدب العربي لم يأخذ طابع المجاهرة إلا في السنوات الأخيرة، أما قبل ذلك فإن الأدباء والرواة كانوا يكتفون بالتلميح دون التصريح. وقد صدر حديثًا كتاب "الشذوذ الجنسي في الأدب المصري" للكاتب مصطفى بيومي، تناول فيه الشذوذ في كتابات بعض الأدباء المعاصرين أمثال علاء الأسواني ونجيب محفوظ ويحيى حقي [48].
 
هذا وقد بدأ التأثير الغربي على الثقافة العربية يظهر بوضوح مع ظهور كتابات روائية تتحدث عن الشذوذ بشكل علني وصريح. من هذه الكتابات ما كتبته أديبات نسويات أمثال: حنان الشيخ اللبنانية في روايتها "مسك الغزال"، وكتاب "رائحة القرفة" للروائية السورية سمر يزبك، ورواية "أنا هي أنت" للكاتبة اللبنانية إلهام منصور، والذي يعد الكتاب الوحيد باللغة العربية الذي يمكن اعتباره رواية مثلية نسائية فعلاً. وهو يركز على مشكلات امرأة مثلية تحاول الدفاع عن هويتها"[49].
 
ب- العوامل الإعلامية:
 
يقوم الإعلام العربي بدور كبير في الترويج للشذوذ الجنسي ودفع الناس إلى تقبله، مصورًا حالات الشذوذ الخاصة التي ينتقيها من المجتمع على أنها حالات عامة، وعلى أنها أمور طبيعية، لا تتعدى كونها حبًا كأي حب بين الجنسين.
 
وقد بدأ اهتمام الإعلام العربي بموضوع الشواذ ضمن خطة عالمية من أجل تغيير ثقافة الشعوب وعقائدهم، ويؤكد على هذا الأمر العديد من الخبراء الإعلاميين الذين يرون أن بدء طرح المواضيع الجنسية مثل الصحة الإنجابية والحرية الجنسية والشذوذ الجنسي في الفضائيات العربية، إنما يعود إلى سياسة تنفيذ برامج الأمم المتحدة، وعلى رأسها مؤتمر بكين. ولعل أشهر هذه البرامج، برنامج "أحمر بالخط العريض" على قناة LBC، الذي كان لعرض حلقته حول الشذوذ ردة فعل كبيرة ليس فقط على الصعيد الشعبي، ولكن أيضًا على صعيد الشاذين أنفسهم كما فعلت جمعية "حلم" باعتراضها على محتوى الحلقة.
 
وإضافة إلى البرامج الجادة، هناك بعض البرامج الساخرة التي تصور شخصيات شاذة من أجل إضحاك الناس والترفيه عنهم، بينما هي في الحقيقة تؤسس - بوعي أو بغير وعي- لقبول بعض التصرفات الشاذة التي لا يقبلها دين ولا شرع. 
 
وإذا كان هذا التصوير لمشاهد الشذوذ عبر التلفاز بهدف إضحاك الناس فإن هذا التصوير في السينما هو بهدف نقل الواقع الحي، لذلك كثيرًا ما تتضمن الأفلام الجنسية التي تتحدث عن الشذوذ، بعض المشاهد الجنسية الصريحة. كتلك التي قامت بها الفنانتان غادة عبد الرازق وسمية الخشاب في فيلم "حين ميسره". إن هذا النوع من الأفلام الذي كان فيما مضى يقتصر على التلميح كما في أفلام يوسف شاهين، والذي كان يعرض في إطار النقد والرفض والاستنكار، بدأ ينتقل اليوم إلى شيء من العلانية، والقبول بالأمر الواقع وطلب التعاطف. ولعل أبرز من قام بإخراج هذا النوع من الأفلام، المخرجة إيناس الدغيدي التي أثار أحد أفلامها ضجة وصلت إلى مجلس الشعب المصري، وكذلك المخرج خالد يوسف الذي تخلل فيلمه الذي عرض على الفضائيات مشاهد فاضحه تروج للسحاق بين بعض بطلاته. وكذلك فيلم "عمارة يعقوبيان" الذي هلل له الغربيون كثيرًا، ومنحوه الجوائز العالمية لنجاحه في خرق المحرمات والتحدث عن الشذوذ الجنسي بشكل صريح.
 
هذا ولا يقتصر عرض موضوع الشذوذ على الإعلام المرئي، بل هناك إضافة إلى مواقع الإنترنت والمدونات الخاصة، والصحف والمجلات التي بدأت تنشر التحقيقات حول انتشار هذه الظاهرة في الأوساط الشبابية، بعض المجلات الخاصة التي أخذت طريقها إلى الأسواق، مثل مجلة "برا" التابعة لجمعية "حلم". ومجلة "بخصوص" الإلكترونية التي تصدرها جمعية "ميم"، وهي مخصصة للشاذات. هذا إضافة إلى مجلة جنسية جديدة اسمها "جسد"، تتناول بالصورة والكلمة المواضيع الجنسية الإباحية ومن بينها الشذوذ الجنسي.
 
خامسًا: الآثار الناجمة عن الشذوذ
 
إن الآثار الناجمة عن الشذوذ الجنسي عديدة جدًا، فهي تؤدي إلى أضرار فادحة في صحة الفرد، وحصل بذلك ما حذر منه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "لم تظهر الفاحشة في قومٍ قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا"، رواه الحاكم في مستدركه.
 
 ومن الآثار التي تنتج عن انتشار الشذوذ، ما يلي:
 
1- الخلل في القيم والمعايير الدينية والأخلاقية، فيصبح الحلال حرامًا والحرام حلالاً، ويزيد الاستهتار بالدين الذي يحرّم الشذوذ بكل أنواعه، وتكثر الجرائم بكل أنواعها من: قتل وسرقة، وإدمان الخمور، وتعاطي المخدرات، واستعمال العنف والشدة والاعتداء على الآخرين وخاصة الأطفال.
 
2- انتشار الأمراض بين الشاذين جنسيًّا، ومن هذه الأمراض تلك المنتقلة بالجنس، وعلى رأسها مرض نقصان المناعة والمقاومة في الجسم (الايدز)، والأمراض الزهرية الأخرى. إضافة إلى ذلك تنتشر بين الشاذين الأمراض الجسدية مثل الوباء الكبدي (ب) ومرض "متلازمة أمعاء الشواذ" والحمى المضخمة للخلايا، إضافة إلى الأمراض العصبية والاضطرابات النفسية، مثل: القلق والاكتئاب والشعور بالنقص والسادية، وما إلى ذلك من اضطرابات نفسية قد تصل بأصحابها إلى الانتحار أو القتل.
 
3- تقويض عرى الأسرة المسلمة، وتغير أشكالها الطبيعية المكونة من امرأة ورجل وأطفال، إذ أن ممارسة الشذوذ تؤدي إلى عزوف الشباب عن الزواج الشرعي، كما يساهم في زيادة نسبة المشكلات الاجتماعية من عنوسة وطلاق وخيانة زوجية وعجز جنسي.
 
سادسًا: آليات المواجهة
 
إن خطورة الشذوذ الجنسي لا تكمن في وجوده بالدرجة الأولى، ولكن تكمن في محاولة نقل التجربة الغربية إلى المجتمعات العربية، والسعي لإسقاطها على مجتمعاتنا كما هي، والدعوة إلى شرعنتها من الناحية الفقهية والقانونية، متناسين نتائج انتشار هذه الظاهرة في الدول الغربية والآثار السلبية الخطيرة التي تركتها على المجتمعات هناك.
 
من هنا فإن الواجب على المسلمين وغير المسلمين التكاتف والعمل يدًا واحدة من أجل محاربة هذا الشذوذ بشتى الوسائل الفردية والجماعية، ومن هذه الوسائل: 
 
1- التشديد على استخدام مصطلح الشذوذ الجنسي عند الحديث عن هذا الفعل، ورفض استبداله بمصطلح "المثلية الجنسية" المحايد، الذي يعتبر مجرد توصيف لما يسمى الميل الجنسي للفرد، من دون أن يحتوي على أي حكم أخلاقي بتحريمه ورفضه.
 
2- تضافر الجهود الرسمية والخاصة من أجل القضاء على هذه الظاهرة، وتوعية الناس حول مخاطر الشذوذ. ومن هذه الجهود تعديل القانون المحلي لبعض الدول العربية التي لا تنص على عقاب الشذوذ إلا في حالة عدم رضا أحد الأطراف. ومنها أيضًا تغليظ العقوبة على مرتكبي الشذوذ وعدم تشريع وجودهم ولا الترخيص لجمعياتهم. 
 
3- التصدي للخطط الدولية التي تطالب بتعديل مناهج التدريس؛ حتى تتناسب مع التوجه العالمي الذي يدعو إلى تقبل الشذوذ الجنسي وتقنينه.
 
 4- الاهتمام بعلاج حالات الشذوذ، وتطوير الوسائل العلاجية التي تساعد الشاذ على التخلص من هذا الداء.
 
5- التركيز على التربية الأسرية الإسلامية الصحيحة، ودعوة الآباء إلى تطبيق سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التعامل مع الأبناء، والتي من بينها التفريق بينهم في المضاجع، وعدم تفضيل الذكر على الأنثى، وعدم القسوة عليهم، وما إلى ذلك من أمور تربوية أخرى.
 
6- إيجاد الحلول الاجتماعية والاقتصادية لمسألة العنوسة وتأخر الزواج، والتشجيع على الزواج المبكر، وعدم وضع العراقيل أمام الزواج.
 
7- الرقابة على الإعلام، وخاصة المرئي منه الذي يستورد كثير من البرامج الإباحية التي تشجع على الخلاعة والشذوذ الجنسي.
 
أخيرًا، لا يجب أن نغفل أن هؤلاء الشواذ هم أبناء المسلمين، وقسم كبير منهم هم مضللون جاهلون غافلون، لذلك من حقهم على علماء الأمة دعوتهم إلى التوبة والعودة إلى الله عز وجل، وتعريفهم بالنصوص الشرعية التي تحرم هذا الفعل وتعتبره من الكبائر، وتوثيق الصلة بينهم وبين الله سبحانه، وعدم تيئيسهم من رحمة الله عز وجل الذي يغفر الذنوب جميعًا، وصدق الله عز وجل الذي يقول: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:53]

 

 
 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*المصدر: صيد الفوائد بتصرف، نقلاً عن مجلة البيان العدد 271، ربيع الأول 1431هـ.
[1] الشذوذ في اللغة يدل على الانفراد والندرة، انظر: ابن منظور، لسان العرب، ج 3، ص 494.
[2]  كمال دسوقي، ذخيرة علوم النفس، وكالة الأهرام للتوزيع، 1990م، ص 1065.  
[3] هدى الخرسه، الشذوذ الجنسي عند المرأة، ص 207.
[4] من هؤلاء العلماء: ابن جزي الكلبي والماوردي والإمام جعفر بن محمد ابن باقر الذي يقول: "أصحاب الرس قوم كانوا يستحسنون لنسائهم السحق، وكان نساؤهم كلهم سحاقيات، القرطبي، أبو عبد الله محمد الأنصاري: الجامع لأحكام القرآن، ج13، ص 33.
[5] القرطبي، المرجع نفسه.
[6] إبراهيم محمود، المتعة المحظورة.. الشذوذ الجنسي في تاريخ العرب، ص 33.
[7] بول فريشاور، الجنس في العالم القديم، ج1، ص97.
[8] لمزيد من المعلومات يمكن العودة إلى هدى الخرسة، الشذوذ الجنسي عند المرأة، ص 45.
[9] هدى الخرسه، الشذوذ الجنسي عند المرأة، ص 51.
[10] عدنان أبو زيد، الشذوذ الجنسي يتفشى في أوساط النخب العلمية. 
[11] المرجع نفسه.
[12] هدى الخرسه، الشذوذ الجنسي عند المرأة، ص 52.
[13] النرويج تسمح بزواج الشاذين جنسياً.
[14] هدى الخرسه، الشذوذ الجنسي عند المرأة، ص 70.
[15] المرجع نفسه، ص 70-71.
[16] موقف أرثوذكسي من الشذوذ الجنسي، الأب انطوان ملكي.
[17] المرجع نفسه.
[18] المرجع نفسه.
[19] ابن قيّم الجوزية، الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، ص187.
[20] براين ويتاكر، الحب الممنوع، حياة المثليين والمثلييات في الشرق الأوسط، ص 70.
[21] السجن 3 سنوات لـ 5 مصريين مارسوا "الشذوذ الجنسي" 4 منهم مصابون بالإيدز.
[22] منظمة غربية: اعتقال السعودية "مخنثين" ضد الحريات.
[23] رويدا مبادري، المثليون في سورية يخرجون من الظل بموقع إلكتروني وبيان يدعو إلى التسامح.
[24] هذا الرقم مبالغ فيه حتما، فإذا كانت نسبة الشذوذ في أمريكا لا تزيد عن 2% في أكثر الأرقام ارتفاعًا، فلا يمكن أن تكون هذه الأرقام صحيحة في المجتمعات العربية والإسلامية التي تتخذ الإسلام دينًا، وهو الذي يحرم الفاحشة بكل أنواعها، لمزيد من المعلومات حول أسباب رفع الاحصاءات يمكن العودة إلى مقال "مافيا الشذوذ الجنسي في أمريكا": "العالم في خزانة" للدكتور أحمد خير العربي، نشر في مجلة القدس العربي، 5/5/2009.
[25] براين ويتاكر، الحب الممنوع، حياة المثليين والمثلييات في الشرق الأوسط، ص 61.
[26] فهيد الغيثي، الشذوذ الجنسي.. انحراف الفرد خطوة لتقويض المجتمع.
[27] براين ويتاكر، الحب الممنوع.. حياة المثليين والمثلييات في الشرق الأوسط، ص 261-262، 
[28] المرجع نفسه، ص 70 - 73.
[29] ميلود الشلح، الشذوذ الجنسي.. بين مؤيد ومعارض.
[30] حسن عثمان، مدونات مكتوب، صحيفة نيويورك تايمز: الحرية الأمريكية نشرت الشذوذ الجنسي بالعراق.
[31] المرجع نفسه.
[32] إبراهيم كامل، مهرجان شواذ المغرب في مولد علي بن حمدوش.
[33] رويدا مبادري، المثليون في سورية يخرجون من الظل بموقع إلكتروني وبيان يدعو إلى التسامح.
[34] براين ويتاكر، الحب الممنوع.. حياة المثليين والمثلييات في الشرق الأوسط، ص 54-55.
[35] مصطفى فتحي، المثلية منتشرة في مصر بشكل لا يتصوره عقل.
[36] تجمع للشاذين جنسيًا في الأردن.
[37] شكك الدكتور أحمد خيري العمري في أن تكون المعلومات الواردة في هذه المدونات والأشخاص الواردة أسماؤهم أشخاص حقيقيون، واستشهد بمقال أوردته "الواشنطن بوست" في 19/ 11/ 2007، ورد فيها أن وزارة الخارجية الأمريكية تستخدم فريق عمل يجيد العربية مهمته كتابة التعليقات في المواقع العربية الأكثر انتشارًا. 
[38] يوسف رفايعة، المثليون العرب يملأون facebook ويبحثون عن أصدقاء. 
[39] براين ويتاكر، الحب الممنوع.. حياة المثليين والمثلييات في الشرق الأوسط، ص 64.
[40] يعرف هذا العلم عالميًا بأنه رمز للمثلية.
[41] عبد الرحمن خيزران، جمعية خاصة لشواذ المغرب بدعم دولي.
[42] براين ويتاكر، الحب الممنوع، حياة المثليين والمثلييات في الشرق الأوسط، ص40-41.
[43] رويدا مبادري، المثليون في سورية يخرجون من الظل بموقع إلكتروني وبيان يدعو إلى التسامح.
[44] نزار محمد عثمان، الجندرة مطية الشذوذ الجنسي.
[45] براين ويتاكر، الحب الممنوع،.. حياة المثليين والمثلييات في الشرق الأوسط، ص 45-50.
[46] المرجع نفسه، ص 60.
[47] مسؤولها للعربية.نت ينفي تلقي دعمًا إسرائيليًا، اتهامات لجمعية لبنانية بتشكيل تنظيم عام لنشر اللواط وتزويج الشواذ.
[48] محمد الكفراوي، الشذوذ الجنسي في الأدب المصري، شخوص ترصد تغيرات الوعي بالعالم.
[49] براين ويتاكر، الحب الممنوع.. حياة المثليين والمثلييات في الشرق الأوسط، ص 105.
 
 

(11 موضوع)

أستاذة بكلية الإمام الأوزاعي للدراسات الإسلامية، بيروت، لبنان