أخبار

تعليقًا على ندوة "الأسرة بين الثابت والمتغير" بالمغرب

الميقاتي: نرفض تغطية الفوضى الجنسية بفوضى فقهية

  • عدد المشاهدات : 1738

دعى الأستاذ الدكتور رأفت محمد رشيد الميقاتي -رئيس جامعة طرابلس، لبنان- إلى تصويب البوصلة البحثية في قضايا التشريعات الأسرية، رافضًا تغطية الفوضى الجنسية بفوضى فقهية تشريعية، ومحذرًا من تحويل القطعيات إلى ظنيات، والمحكمات إلى متشابهات؛ بقصد تعديل التشريعات الأسرية بما يتوافق مع ما تطالب به المواثيق الدولية. 

جاء ذلك عقب مشاركته في الندوة العلمية (نظام الأسرة بين الثابت والمتغير.. قضايا وإشكالات)، والتي عقدت عن بُعد في المملكة المغربية، في الفترة من 12 إلى 14 شباط/ فبراير 2021، وقام بتنظمها كل من: مركز إشعاع للدراسات الأسرية، والمركز المغربي للدراسات والأبحاث التربوية، ومنتدى الزهراء للمرأة المغربية، والمعهد العالمي للفكر الإسلامي.

 وجاءت محاور الندوة تحمل العناوين التالية: الذمة المالية للزوجين. التمكين الاقتصادي للمرأة. حق النسب والبنوة (نسب أبناء الاغتصاب، نسب أبناء الزنى). حقوق الرعاية الوالدية عند العجز. الأمهات العازبات. حق الحضانة. التعصيب بين الإطلاق والتقييد. المساواة بين الجنسين في الإرث. الوصية. مستجدات المواثيق الدولية والوطنية المرتبطة بالأسرة.

 وقد وردت أثناء الندوة عدة مطالبات مثيرة للجدل والقلق، منها: المطالبة بحقوق للأم العازبة، وإعطاء النسب لأبناء الزنى، وإدماج الصحة الإنجابية والنوع في التعليم والمدارس، ورفع سن الزواج تحت مسمى زواج القاصرات، حيث تعتبر الأمم المتحدة الطفولة حتى سن الـ18 عامًا. وكذلك إدخال بعض التعديلات على المواريث. 
 
وقد أدلى دكتور الميقاتي ببعض المداخلات الفقهية والقانونية؛ ردًا وتفنيدًا لبعض الأفكار التي طرحت خلال الندوة، مبينًا مخالفتها لثوابت الشريعة الإسلامية، وذلك من خلال تأكيده على النقاط الآتية:
 
1- من الخطأ اعتبار المساواة تماثلاً في كل شيء، وإن الإسلام حرص على توزيع الأعباء بين الجنسين بحسب الاختصاص، دون تكريس للانتقاص .
 
2- صوابية القول بأن هناك من يقوم بإغراق بلادنا بدعاوى تمكين المرأة، بالتزامن مع إغراق الدول النامية بنماذج الاقتصاد الرأسمالي المتوحش، الذي تجد فيه المرأة أنها تخسر في نهاية المطاف ما ظنت أنها كسبته على مدى عقود.
 
3- إن محاولة الجمع بين التمكين القرآني وتمكين المرأة في المواثيق الدولية أمر مردود وغير موفق؛ لاختلاف مضمون كل منهما ومدلوله، وبالمقابل فإن محاولات البعض فك الصلة بين تمكين المرأة والأمم المتحدة؛ لترويجه يناقضه القول بارتباط التمكين نفسه بأجندة التنمية المستدامة، وهو ما يوقع في التناقض الواضح .
 
4- إن الدعوة إلى إلزام الزوج بتوقيع عقد شراكة مع زوجته في جميع الأموال المكتسبة بعد الزواج، وذلك بدلاً عن عملها في المنزل، إنما هو انصياع لإنكار الدور الفطري للمرأة واعتباره دوراً اجتماعيًا وفق فحوى الجندرة وفوضى الأدوار، كما أنه يحوّل الزواج إلى عقد عمل من جهة، وإلى شركة أمر واقع بالإكراه لا بالتراضي من جهة أخرى، وخاصة لدى افتراض العقد مبرمًا عند تعذر إثبات توقيعه بين الزوجين، فضلاً عن خرق القاعدة الفقهية "لا يجتمع العوضان لواحد"، فكيف نجمع إعطاء المرأة النفقة الزوجية وحصة في الشركة المدعو إليها جراء عملها المنزلي، وهل هناك من بدل إضافي آخر لمهام الأمومة الشريفة من حمل ووضع وولادة وتربية؟!
 
5- إن القول بتحديد سن الزواج بالثامنة عشرة سندًا لحق ولي الأمر في تقييد المباح، يوجب التفريق بين أمرين: تقييد المباح، وتحريم المباح، فالأول جائز، أما الثاني فتحويل للحلال إلى حرام، كرفض إثبات عقد زواج من تزوجت دون الثامنة عشرة، ورفض إثبات نسب ابنها من عقدها الشرعي؛ بدعوى أنه غير قانوني، في حين أن سقف ما يملكه ولي الأمر هو العقوبة الإدارية أو التغريم مثلاً، وذلك إذا سلمنا له بصواب ما يأمر به.
 
ونتساءل كيف نحرم الزوج من إثبات زوجيته، وكذلك نحرمه من إثبات نسب الأولاد إليه، وهي حقوق شرعية ثابتة؛ لمجرد قيامه بالزواج دون سن الثامنة عشرة ولو بيوم واحد، ورغم بلوغه أو بلوغ زوجته منذ سنوات وانقضاء طفولتهما بالبلوغ الجسدي وإدراكهما الرشد العقلي، في حين تجري الدعوة لتمكين ولد الزنى من حقه المزعوم في النسب، وتمكين الزاني من حقه المزعوم في استلحاق ولد الزنى، ومنح المسميات بالأمهات العازبات حقوقًا مزعومة.
 
6- أما فيما يتعلق باستلحاق الزاني ولد الزنى، فإن المذاهب الأربعة ومعها المذهب الخامس -وهو مذهب ابن حزم الظاهري- متفقة جميعها على حرمة ذلك، خلافًا لما تم الادلاء به، والزعم بأن أبا حنيفة النعمان أجاز ذلك! وهذا هو المقرر في المذهب ومعتمد في المبسوط للإمام السرخسي، وفي البدائع للكاساني، ثم نتساءل أفنترك مذهب الإمام مالك في نسب ابن الزنى، ثم نزعم التمسك به عند القول بعدم إلزامه المرأة بالعمل في المنزل؟! أفنترك مدونة ابن سحنون المالكية لمدونة الأسرة المغربية؟!
 
ومن العجب الاستدلال بعموم قوله تعالى: {أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} للقول بعدم حرمان ولد الزنى من النسب لذنب اقترفه الزاني، ولا يأخذ بعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: "الولد للفراش وللعاهر الحجر" مقيدا الحديث بسبب وروده، رغم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب! والصواب أن الولد لن يُسأل عن جريمة الزانى المتسبب بولادته؛ إعمالاً لعموم الآية الكريمة، لا أنه يُمنح النسب لمن تسبب بإنجابه.
 
ثم إن النسب فيه حق لله وللولد وللأب في ظل فراش زوجي هو عقد نكاح صحيح، وليس حقًا مجردًا للولد، حتى يكون التساؤل كيف حرمنا الولد من حقه؟ 
 
إن الدعوة إلى معاملة الزاني كالأب الشرعي في استلحاق الولد، والدعوة إلى منح المغتصب حق الاستلحاق أيضًا هي تغطية للفوضى الجنسية بفوضى فقهية غير مسبوقة، ففيها خلط بين الحقيقة اللغوية والحقيقة الشرعية والحقيقة العرفية، وفيها اعتداء على حقوق المرأة، وهدر لكرامتها، ومكافأة للمغتصب، وتفريط بالعرض الذي لم يبق منه شيء، إنه الشذوذ الفقهي الواضح.
 
إن منح المغتصبين حق الاستلحاق لمن تسببوا بإنجابهم إثر جريمة الاغتصاب التي ارتكبوها، من شأنه -مثلاً- تمكين آلاف الصرب غير المسلمين من استلحاق المواليد الذين تسببوا بولادتهم جراء اغتصابهم المسلمات في حرب البوسنة والهرسك، خاصة وأن من يدعو لهذا لم يميز بين مغتصب مسلم وغير مسلم!!
 
7- أما بشأن ما يسمى بالأمهات العازبات، فهذا مصطلح ورد من مجتمعات غربية لا وجود له في مجتمعاتنا الإسلامية، ومن الخطأ بمكان جمع فئات مختلفة تحت عنوان واحد، فالبغيّ الزانية المحترفة للدعارة والفجور ليست كالتي وقعت ذات يوم في الزنى وولدت منه، وهذه ليست كالتي جرى تلقيحها بماء رجل من غير زواج وهي عازبة، ومن الخطأ بمكان الجمع بين مختلفات، وفي ذلك إهدار لعلم الفروق الفقهية وللأشباه والنظائر.
 
أما السعي لإضفاء حماية قانونية عليهن، بدلاً من علاج أصل هذه الظاهرة الكامن في غياب حق الإعفاف، وهو حق من حقوق الإنسان الذي تميزت به الشريعة الإسلامية عن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وغياب العدالة الاجتماعية، وتعطيل الحدود، وتقييد التعدد، كل ذلك أفضى إلى نشوء هذه الظاهرة بمكوناتها المختلفة، وكم هو محزن أن نرى إحصاءات رسمية بوجود آلاف النساء اللواتي ينضوين تحت هذا الوصف، وهن زانيات وأمهات لأولاد الزنى!!
 
إن وصف ما يسمى بالأمهات العازبات بـ"الضحايا" ينطوي على تبرير لارتكاب جرائم مختلفة بحسب أنواعها المذكورة آنفًا، وهو أمر مرفوض شرعًا.
 
 إن الأعداد الهائلة لأمهات الأطفال المولودين من الزنى وخارج إطار الزواج، هو دليل على فشل الحكومات المتعاقبة في التخطيط والتنفيذ، وفشل الإعلام والتربية، وفشل المنظومة العقابية.
 
وبدلاً من إقامة دور رعاية لأبناء الزنى، لماذا لا ننشىء وزارات لتزويج العزاب في العالم العربي؟ أليس هذا حقهم؟ 
 
8- إن المشهد التشريعي الوضعي يوحي أننا في صدد تحويل القطعيات إلى ظنيات، والمحكمات إلى متشابهات!!
 
 إننا نريد العروج التشريعي، بحيث ننهض بالواقع إلى ما يجب أن يكون، لا الهبوط التشريعي، بحيث تطوع النصوص لما هو كائن، ونتورط في لي أعناق النصوص. 
 
إننا نريد تعزيز شبكة الهندسة الفقهية الأصولية الأصيلة، لا تهجين هذه الشبكة برُقَع تتوسل المقاصد خطأً، فترجع على الشريعة نفسها بالإبطال.
 
 نريد إعادة تصويب البوصلة البحثية، فلا نحمّل التشريع نفسه عبء خروج الناس عنه ابتداء؛ ليدفع النص نفسه انتهاء فاتورة اجترائهم وتفريطهم، فذاك يزني ويريد النسب، وتلك تزني وتريد النفقة، وذاك يتعسف في القوامة ويريد من زوجته الطاعة، وتلك تقع في النشوز وتزعم أن قطع النفقة عنها عنف اقتصادي.. وهكذا دواليك.
 
نريد إعادة تكوين الجيل تربويًا على ثنائية الثابت والمتغير، لا على آحادية التغير اللاغية للثابت تدريجيًا، واللاغية لنفسها بعد حين. 
 
إننا مدعوون لإبراز الإعجاز التشريعي في الإسلام، بدل التكيف مع المواثيق الدولية الوافدة، مدعوون إلى تكييفها بدل التكيف معها، لماذا لا نبرز أن المهر والنفقة هما تمكين اقتصادي للمرأة بالمعنى الإسلامي، وليس عنفًا ضد المرأة كما تزعم تلك المواثيق؟! لماذا لا نبرز أن القوامة تمكين نفسي للمرأة وحماية لها، بدلاً من تصويرها تمييزًا يستدعي المكافحة؟!
 
9- إن الزعم بأن علة التمييز بين الذكر والأنثى في التعصيب هي إنفاق العاصب الذكر على من تجب عليه النفقة من الإناث، إنما هو زعم مردود ومتهافت، كونه يخلط بين الحكمة والعلة، ولا يمكن إهمال العلة وإقامة الحكمة مقامها، فالعلة هي البنوة أو الأبوة أو الأخوة أو العمومة على الترتيب، وليست غير ذلك.
 
 إن الدعوة إلى تقييد التعصيب وربطه قضاءً بالتأكد من مدى قيام العاصب بواجباته في الإنفاق على من تجب عليه النفقة شرعًا من الإناث، إنما فيه تجاوز واضح لكون الإرث تمليكًا جبريًا لا قضائيًا، وفيه تعليق لتملكه ما قسمه الله تعالى له ابتداء على احتمال عدم إنفاقه، وهو من الظن البين خطؤه.
 
إن الدعوة إلى تقييد التعصيب سندًا للقاعدة القانونية بأن كل حق يقابله واجب هو توظيف للقاعدة في غير محله الشرعي والقانوني؛ ذلك أن كل حق تحميه دعوى، وبالتالي فلو قصر العاصب في أداء ما عليه من نفقات جاز للمتضررة الادعاء عليه، ثم إذا صدر الحكم ورفض المحكوم عليه تنفيذه اختياريًا، فإنه يتم اللجوء إلى التنفيذ الجبري والحجر على أمواله وبيعها بالمزاد العلني؛ لإطفاء حق الدائنات من صاحبات الحق في الإنفاق عليهن شرعًا.
 
إن تقييد التعصيب بزعم وجود متغيرات اجتماعية، إنما هو تعديل في محكمات نظام الميراث الثابتة إجماعًا، وتجاوز لحدود الله، ونقض تدريجي.
 
 إن تقييد التعصيب بالموافقة القضائية على ضوء أداء العاصب للنفقات الحالة والمستقبلية، هو لون من ألوان الحجر على العاصب وفرض الوصاية القضائية عليه، ونزع لولايته على مالٍ آل إليه بالفرض الإلهي.
 
إن تقييد التعصيب بالموافقة القضائية المرتبطة باستيفاء النفقات الواجبة -وفق مدونة الأسرة المغربية وتعديلاتها المرتقبة- يجعل الرجل مجردًا من حقوقه الإرثية، التي ثبتت له شرعًا بصورة قطعية؛ بغية استيفاء حقوق مالية ظنية في بعضها وغير متوجبة أصلاً في ميزان الشرع الحنيف، وهو مردود شرعًا، فضلاً عن القيام بمقاصات غير جائزة، وبخاصة بين حق واجب الأداء -وهو الميراث- وبين نفقات مظنونة، وأخرى لم يتوجب أداؤها أصلاً، وتصرف في الحق قبل تولده، وبالالتزام قبل نشوئه.
 
 إن تقييد التعصيب هو إمعان في التضييق على الرجال والتنفير من الزواج؛ بما يعود مآله بالمفسدة على الإناث، فإذا تصورنا أن الرجل سيكون مطالبًا بأجرة عمل المرأة في منزلها الزوجي، وبإلزامه بالتوقيع على عقد شراكة بالأموال المستثمرة بعد الزواج، وبتعويضات مالية عن عنف بالمنظور القانوني لا الشرعي، وبحرمانه من قبض نصيبه الإرثي تعصيبًا إلا بعد موافقة قضائية، فماذا تبقى لإعلان إفلاس الرجل بعد فرص الحصار عليه بزعم حماية الإناث، وفرض موافقات قضائية لنفقات غير متوجبة شرعًا؟! وإذا كان صاحب اقتراح تقييد التعصيب يؤمن بالقضاء فلماذا رفض تمكين المرأة صاحبة الحق الشرعي بالنفقة من اللجوء إلى القضاء لاستيفائه عند توجبه فقط؟! فهل هذا هو المطلوب، أليس واجبًا علينا النظر إلى المآلات ودرء المفاسد وسد الذرائع.
 
 ثم إنه وبالعودة إلى العلة، وعلى فرض اعتبار العلة في التعصيب الإنفاق، وهو ما لم يقل به أحد من الفقهاء، ماذا سيفعل القضاء إذا أنفق على بعض الإناث من خارج إطار أسرته من الورثة، كزوجته مثلاً، وهي التي لا نصيب لها في تركة مورث زوجها، فهل نحجب عنها المال مهرًا ونفقة، ونجعل ما آل إلى زوجها إرثًا من التعصيب مستوفى لغيرها من الدائنات؟! أليست سورة النساء للعدل في النساء كلهن لا بعضهن، وكيف نخصص من غير مخصص!!
 

(25 موضوع)

مؤسسة مودة للحفاظ على الأسرة